الجاحظ
81
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
باب البيان [ حد البيان ] قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني : المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم ، والمتخلجة في نفوسهم ، والمتصلة بخواطرهم ، والحادثة عن فكرهم ، مستورة خفية ، وبعيدة وحشية ، ومحجوبة مكنونة ، وموجودة في معنى معدومة ، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه ، ولا حاجة أخيه وخليطه ، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره ، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره . وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها ، وأخبارهم عنها ، واستعمالهم إياها . وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم ، وتجليها للعقل ، وتجعل الخفي منها ظاهرا ، والغائب شاهدا ، والبعيد قريبا . وهي التي تلخص الملتبس ، وتحل المنعقد ، وتجعل المهمل مقيدا ، والمقيد مطلقا ، والمجهول معروفا ، والوحشي مجلوفا ، والغفل موسوما ، والموسوم معلوما . وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة ، وحسن الاختصار ، ودقة المدخل ، يكون إظهار المعنى . وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح ، وكانت الإشارة أبين